
آسف يا حياتي…
بقلم الأستاذ /احمد جابر قلاش
آسف على أيامٍ استعجلت رحيلها، وعلى أسابيعَ كنت أعدّها انتظارًا للغد، وعلى شهورٍ تمنيت أن تنقضي، وسنينَ ظننت أن أجمل ما فيها لم يأتِ بعد.
كنت دائمًا أريد «بكرة» أن يأتي أسرع، ولم أكن أعرف أنني، وأنا أستعجل الغد، كنت أُضيّع اليوم… وأن اللحظة التي كنت أهرب منها إلى المستقبل، ربما كانت هي اللحظة التي كنت سأشتاق إليها يومًا.
آسف على لحظاتي الجميلة التي مرّت أمام عينيّ ولم أمنحها حقها من الفرح، وعلى ضحكاتٍ عشتها بنصف قلب، وعلى وجوهٍ أحبّت لي الخير، وتمنت لي الرضا، وكنت أظن أن وجودها أمرٌ عادي، حتى غيابها علّمني أن بعض النعم لا نعرف قيمتها إلا حين تصبح ذكرى.
وآسف أكثر… لأنني منحت وقتي لمن لا يستحقه، ومشاعري لمن لم يصنها، واهتمامي لمن قابل الاهتمام بالجفاء، وأعطيت من قلبي لمن لم يمنحني إلا القسوة والعناء.
دخلتُ إلى حياة بعضهم بنية طيبة، فخرجت منها مثقلًا بالخذلان.
ثم اكتشفت متأخرًا أنني كنت أبحث عن الدفء في أماكن لا تعرف إلا البرود، وعن الوفاء عند من لا يجيد إلا الرحيل، وعن الأمان في قلوبٍ لم تعرف يومًا معنى الأمان.
واليوم، حين ألتفت خلفي، لا أجد كثيرًا ممن ظننت أنهم سيبقون… لا قريبًا، ولا حبيبًا، ولا صديقًا.
فأقول لنفسي:
آسف يا حياتي… أدخلتُ فيكِ من لا يستحق، وأخرجتُ منكِ من كان يستحق البقاء.
آسف يا ساعاتي… أهدرتكِ في غير موضعك، ومنحتكِ لمن لم يعرف قيمتك، بينما كنتِ أثمن ما أملك.
آسف يا جسدي… أتعبتك في طرقٍ بلا نهاية، وأرهقتك في معارك لم تكن تستحق كل هذا العناء.
آسف يا روحي…
آسف لأنني ظلمتكِ حين ابتعدتُ عما خُلِقنا له، وحين شغلتني الدنيا عن المعنى الذي جئتُ من أجله. آسف على صلواتٍ قصّرت فيها، وعلى أوقاتٍ مرّت دون أن أرفع فيها قلبي إلى خالقه، وعلى أيامٍ بحثت فيها عن الطمأنينة في الناس، بينما بابها كان مفتوحًا بين يديّ.
كنت أبحث عن السكينة في وجوه العابرين، وعن الأمان في قلوبٍ متبدلة، وعن الحب في أماكن لا تعرف إلا الأخذ… ونسيت أن القلب لا يطمئن بكثرة ما يملك، وإنما يطمئن حين يعرف لمن ينتمي.
آسف يا روحي… لأنني تركتكِ تحملين ما لا يليق بكِ؛ من لوعتي، ومن خوفي، ومن حبي لذاتي، ومن تعلقي بما يفنى، حتى ضاق داخلي بما لم أجد له مخرجًا.
كنت أظن أن علاج أوجاعي في أن يتغير العالم من حولي، ثم اكتشفت أن أول ما يحتاج إلى التغيير هو أنا.
وأن بعض الجراح لا يشفيها اعتذار إنسان، ولا قرب حبيب، ولا تصفيق الناس… وإنما يشفيها أن يعود القلب إلى من خلق القلب.
لذلك، أظن أن علاجي ليس في الهروب من الحياة، بل في أن أعيشها بقلبٍ يعرف الله.
في الروحانيات النورية، في تسبيح الخالق حين تضيق الكلمات، وفي ذكره حين تضيق الصدور، وفي الصلاة حين تتعب الروح من كثرة ما حملت.
أريد أن أتعلم من جديد كيف أقول: سبحان الله… لا بلساني فقط، بل بكل ما فيّ.
أن أقولها حين تأتيني النعمة، وحين يتأخر ما أريد، وحين أفقد، وحين أجد، وحين أفهم، وحين لا أفهم.
أريد أن أعود إليكِ يا روحي، لا لأهرب من الدنيا، بل لأضع الدنيا في موضعها الصحيح.
فقد عرفت أخيرًا أنني حين أبتعد عن خالقي، أضيع مني… وحين أعود إليه، أعود إليّ.
آسف يا روحي…
لقد أتعبتكِ طويلًا في البحث عن نورٍ كان يسكنكِ منذ البداية.
والآن… آن أوان العودة.
واليوم فقط فهمت…
أن الغد الذي كنت أطارده لم يكن إلا وهمًا مؤجلًا، وأن السعادة لم تكن تنتظرني في مكان آخر، بل كانت تجلس بجواري في لحظاتٍ عابرة، وأنا منشغل عنها بانتظار لحظةٍ لم تأتِ.
فإن كان لي من أمنية فيما تبقى من العمر، فهي ألا أستعجل شيئًا بعد اليوم.
أن أعيش يومي كما هو، لا كما أتمنى أن يكون.
أن أحب من يحبني، وأحفظ من يحفظني، وأرحل عن كل قلبٍ يجعل وجودي فيه إهانة، وأن أترك للغد بابه… ولليوم حقه… وللحياة فرصة أن تُعاش.





